09 septembre, 2016

ذات الجيد الفارع

ذات الجيد الفارع

كانت تشبه في جلستها أميرة قادمة من الحضارة السومرية ، أو إمرأة فارّة من لوحة لرسام واقعي ، كانت بعمر ينوف على السبعة عشر ربيعا ، عيناها زرقاوان كسماء صافية ، ووجنتيها تشبهان في حمرتهما لون حّبات الرمّان ، أنفها المنقوش بيدي الله نفسه ، يكاد يشبه منقار الباشق ، كانت تتوشح في عنقها سلكا نحاسيا أصفراً مثقاله كمثقال ذاك  الحزن الذي يسكن مقلتيها ، على صدرها كانت تتدلى قلادة بفيروز مزيف ،  ونهَديْها اللذان لم يبزغا بعد ، كانا يبدوان كثمرتي مشمش سقطتا للتو من أمّهما الشّجرة . رغم صقاعة الفضاء وقتذاك ، كانت ترتدي بزّة وردية بنصف كُمّ  ، على ذراعها الأيسر ، وشم لرأس المعلم بوذا ، وحروف مشتّتة لم أعي فحواها . لاشيء يشي ببؤسها حينذاك ، سوى قدميها الموحلتان اللتان كانتا ماتزالا تحملان آثار السبيل ، وظهر مقوّس قصمته قشّة البُعد . بسرعة آلة ، كانت تُحرِّك يديْها بشكل دائري على منساج خشبي بُغية نسج خيباتها بخيوط ملوّنة ، وتدندن بين فينة وفينة ، لحناً بورميا حزيناً ، تصحبه بعَبَرات ، تهطل مدراراً على نسيجها ، فيأخذ لون الرماد .
وأنا بصدد إعتقال كل هذه الحكاية داخل صورة ، تصنّعت وإيّاها  إبتسامتين باردتين تحويان حسرتان متجمّدتين ، تحدثنا من خلالهما عن كل شيء ، وعن اللاشيء ، وحدها طرطقة آلة التصوير التي كانت تتدلى على عنقي كقلادة ، جعلت لحوارنا الأبهم نهاية ، لملم كلّ منّا إبتسامته  المزيّفة ، دسست يمناي داخل جيبي ، مددتها بأربعون باتا ، شكرت بحركة من رأسها ، وغادرتُ معتقلاً إيّاها وحزنها داخل صورة.

15 mai, 2016

هنا أمستردام

ها أمستردام
ها أنا
تحت غيمة يوم أحدٍ متشنّج، أتوشّج وإياها طوراً آخر، فنلج عبر قنوات الماء إلى حلمٍ قاني بلون النّبيذ.
صخب المدينة، يمتزج و عبق الماريخوانا، وشقراوات يعاكسن الريح من على صهوة درّاجات هوائية، فيبدون كحوريات في طريقهن إلى الجنّة.
متشرد برأس تتدلى منه خيوط شعر مزيفة، قرب حانوت بطاطا مقلية، يحمل بيمناه بيرة زهيدة، يُطعم حمائم رمادية بكسرة خبز منسيّة، ويردّد أغنية one love لمغني جامايكي قديم.
أزهار التوليب البنفسجية، تلوّح برأسها لرجلين يتبادلان قبلة طويلة، وأخرى صفراء تنحني تواضعاً كسنابل أبو الطيب المتنبي.
ترررررن
ترررررن
تررررن.
تهلّل كاتدرائية العذراء، تعلن بدقّات ناقوسها اليتيم وجود الله، تلتهم كائنات تتسرول السواد، طلبا للغفران، وغير قصيّ منها، قدّيسون، يحفّون برحمتهم نوافذ الغانيات بحي الريد لايت.
ها أنا
 أمخر عباب الطريق، أنشد الحانة القديمة لأضاجع كأس الرّاح
ها أمستردام
 التي إستطاعت بسحر عبثها، وتضاربها، أن تأخذني من كازابلانكا عشقي الأول.

14 février, 2016

إبنة الله

عُريّك ليلتها يا إبنة عيسى، كان أنيقاً، جسدك الأفقع الذي يشبه جبنةً بيضاءَ خالصة، كان يلتهم سُمرتي ودُهمة الغرفة كلما تمازجنا ليلتذاك، عيناك كانتا تحوزان سحابة حزن لا تمطر، تصرّين كلما نظرتُ إليك مواراتها، لكن رماديتها القاتمة، كانت تشي بك، الفراشة التي إتخذتِها على نهدك وشماً أصابت غيرتي، ونكاية بها، تجاهلت حلمتيك الشبيهتان بحبتي كرز، ولسسْت موطئها، لكنها أبت أن تفر، ساقيك كانتا كزهرتا توليب على وشك التفتّق، وعانتك النّقية التي لا زغب فيها كانت تنادي هيت لك، قبلاتك الطوفانية، كانت تزيدني عمرا غير العمر، وتستفز نصف الشرنقة التي  كانت على جسدي، وقبل أن نموت فينا، كان كلانا يمنطق الخطيئة، ويتوسّل فجراً وموتاً مؤجلين، تشابكنا حتى شكلنا لوحة سريالية لرسام عصامي، ثم كانت الصيحة الأولى التي تشبه صيحة جنين غادر للتّو رحم أمه، وكنت يا إبنة الله كلما فرغنا، سألتني هل إمتلأتْ، وأقول هل من مزيد، وأزلفت ليلتذاك فاكهة اللذة، والنبيذ غير بعيد، نضاجعهما لهنيهة، ثم نرجع إلى بوابة الفردوس، لنصلب الرّب، والمسيح من جديد.

10 janvier, 2016

اللقاء الثالث

جُلّ لقاءاتنا كانت حثيثة، كنّا نمسك بمساءاتها، كمن يُمسك قطعة جمر متأجّجة، ويومذاك، عند اللقاء الأخير، لم نبلغ كما سبق من الأيام، ليلةً أو بعض ليلة.
كنّا كالعابرون أنتِ وأنا، وثالثنا بِلالُنا المؤذِّن للهوى، الذي كان يتضرّع لنا عند كل رشفة نبيذ، ويُنادينا أن نمنح الله قُبلة.
كالكِرام مَرَرْنا ليلتذاك، لم نترك في أمكنتنا ذكرى توجعنا، لم ندع مجالاً للطّاولة إيّاها في حانة تِيطان أن ترسم ملامحنا، ولا لنادل ألزاس لورين وعاهراته الثلاث أن يُدركوا بشاعتنا، لم ننشأ للمُقام إلهاً، كنّا فقط عابريْن، كنّا كمنتحريْن يتبادلان قُبلات مُهرولة، قبل النّط فوق السرير الخشبي الذي وشى بنا أزيزه.
وقبل أن يَتَنَبَّه الموتى، كنّا قد قضمنا التّفاحة مرّتين، والتفَّت السّاق بالسّاق، واقتسمنا الأمل والألم معاً، ثمّ مررنا سريعاً، موقِّعين مرّة أُخرى ِبقلم العبور، عريضة الغياب.