11 juillet, 2017

الطاحونة الحمراء

الغانية إيّاها، في حانة الطّاحونة الحمراء، بعينيها الباكيتين، كانت على شفا إنتصاب مني، على شفا سؤال كيف السبيل إلى التقام رأس نهدها الأشبه بكرز الفردوس الأعلى، وامتطاء صهوتها الباذخة.

بعزف موزارتي إخترق السرعة التي أخذتُ بها شهيقاً من سيجارتي الرخيصة، وبحجم الـمُجّة المتبقِّية في حضيض قنينة النبيذ، ردّت: أولست ذاك الذي زرع قفار الغانيات البائسات؟ ألست من أنار ظلمتهن في الليالي الدهماء؟

بلى قُلت، فأدرك سمعي سيمفونيتها عازفةً،  أعرفك ياابن القحبة، فلِمَ الإستخبار إذن، قُم أدنو مني وأْتي حرثك أنّى شِئت.

كان جوابها كصدمة قطار سريع إرتطمت بي عرباته الواحدة وراء الأخرى، وكان كافياً لتدشين خيانة أخرى من سلسلة خياناتي.

كان شيطاني لحظتذاك يلكزني، يدفعني، ويدقّ في طبلة أذني لحن الوفاء للكلاب. 

على أريكة نالت منها سجائر السُكارى وضراطهم، وضعت مؤخرتي بجانبها، ودنوْت منها حتى كاد يلامس فاهي فاها، ودون سابق سؤال، شرعت في تعريف نفسي.

أنا القوّاد الذي وُلدت مرتين بدأت الحكي، مرّة على خرقة مُعدمة بغرفة دهماء لا تبدّد الغاسق، وأُخرى في حضن إمرأة كانت تنتظرني هناك في الأُفق، حيث صرت كنملة بجناحين. 

كنت يانديمتي مجهولاً، ومازلت حتى حدود اللحظة، أدركت اليُتم ووالداي على قيد الدنيا، كان عمري آنذاك، عفواً نديمتي لم يكن لدي عمر، أيْ نعم لم يكن لدي عمر، كنت أعي فقط أني موجود، أني طفل بلا عينين تطارده الخيالات حيناً، ويطاردها حينا آخر.

وبخبرة عاهرة عارفة، كانت نديمتي وقتذاك، ترتشف سيجارتها، تنفث دخانها في وجهي، وتصغي السمع كأمّ. كنت أعي جيداً أني أُعري بؤسي دون احتشام، لكن قدرة العاهرات على امتصاص بؤس الرجال، واحتواء عواءتهم، دفعني لاسترسال خراءتي في حضرتها.

كنت أفرغ مثانتي بين برهة وأخرى، أوزّع سلاما وابتسامات صفراء، وأستقبل أخرى بذات اللون، ثم أعود لأتلو قرآني في حضرتها. 

على طول عواءتي، لم تنبس نديمتي ببنت شفّة، كانت كما الإسفنجة، تمتصّ عُريّي، وتحفظه بداخلها تمزجه داخل رئتها لفترة، ثم تنفثه من بعدُ ودخان سيجارة. لم يكبح كلامي لحظتذاك، سوى خيط أبيض تبيّن من آخر أسود من الليل، وصوت كفيْ حارس الحانة الضخم، يأمرنا أن نغادر الطاحونة الحمراء.

حينها كنت قد أفرغت مابفؤادي من ألم، كما أفرغت مابمثانتي من بول، ولم يتبقى غير لقم رأس النهد، والصلب على جسد نديمتي.

تركنا الأريكة ذات الثقوب، قفزنا عتبة الحانة، وهبنا جسدينا لسيارة أجرة حمراء إبتلعنا جزءها الخلفي، وغير قُصيْ، كان باب القوادة شامة مشرّعا على مصراعيه.

07 janvier, 2017

غرباء

شاهدتهم أول أمس في الحلم، كانوا أربعة، دون كيخوتي، فينست، نيرودا، ودوستويفسكي. 

وسط الدّهمة، وصمت مريع، شكّلوا دائرة حول شجرة لَوْز، كانت جباههم ضيّقة، وكانوا مطمئنون إلى أن فُتِّحت كوّة ضيّقة كسمّ إبرة إستظهروا فيها الحاضر. حينها، ترجّل فان غوخ صوب حيّ البغاء ليستردّ أذنه اليسرى من العاهرة هورنك، قبل أن يسجن ذاته داخل لوحة آكلي البطاطا، وأمّا پابلو، فقد غاب في الصّمت، إقتلع عينيه، وراح يتحسّس طريق الموت والياسمين المتعفّن، لينظم هناك، كلمات حزينة، في رثاء الشيلي. وقتذاك، كان الدي لامانتشا يهذي، يهشّ بيمناه غصن الشّجرة، يلعن الدي ثيربانتس، ويدعوه لتأسيس معركة وهم أخرى، وعند الزاوية المُقْبرة الكثّة، كان فيودور على هيئة الله، يضغط بكفه اليسرى على تفاحة، يعدّ خطواته إلى الخلف، ويصيح كصريع، أتركوني، سأظل كارامازوفا، سأظل كارامازوفا. 

09 septembre, 2016

ذات الجيد الفارع

ذات الجيد الفارع

كانت تشبه في جلستها أميرة قادمة من الحضارة السومرية ، أو إمرأة فارّة من لوحة لرسام واقعي ، كانت بعمر ينوف على السبعة عشر ربيعا ، عيناها زرقاوان كسماء صافية ، ووجنتيها تشبهان في حمرتهما لون حّبات الرمّان ، أنفها المنقوش بيدي الله نفسه ، يكاد يشبه منقار الباشق ، كانت تتوشح في عنقها سلكا نحاسيا أصفراً مثقاله كمثقال ذاك  الحزن الذي يسكن مقلتيها ، على صدرها كانت تتدلى قلادة بفيروز مزيف ،  ونهَديْها اللذان لم يبزغا بعد ، كانا يبدوان كثمرتي مشمش سقطتا للتو من أمّهما الشّجرة . رغم صقاعة الفضاء وقتذاك ، كانت ترتدي بزّة وردية بنصف كُمّ  ، على ذراعها الأيسر ، وشم لرأس المعلم بوذا ، وحروف مشتّتة لم أعي فحواها . لاشيء يشي ببؤسها حينذاك ، سوى قدميها الموحلتان اللتان كانتا ماتزالا تحملان آثار السبيل ، وظهر مقوّس قصمته قشّة البُعد . بسرعة آلة ، كانت تُحرِّك يديْها بشكل دائري على منساج خشبي بُغية نسج خيباتها بخيوط ملوّنة ، وتدندن بين فينة وفينة ، لحناً بورميا حزيناً ، تصحبه بعَبَرات ، تهطل مدراراً على نسيجها ، فيأخذ لون الرماد .
وأنا بصدد إعتقال كل هذه الحكاية داخل صورة ، تصنّعت وإيّاها  إبتسامتين باردتين تحويان حسرتان متجمّدتين ، تحدثنا من خلالهما عن كل شيء ، وعن اللاشيء ، وحدها طرطقة آلة التصوير التي كانت تتدلى على عنقي كقلادة ، جعلت لحوارنا الأبهم نهاية ، لملم كلّ منّا إبتسامته  المزيّفة ، دسست يمناي داخل جيبي ، مددتها بأربعون باتا ، شكرت بحركة من رأسها ، وغادرتُ معتقلاً إيّاها وحزنها داخل صورة.

15 mai, 2016

هنا أمستردام

ها أمستردام
ها أنا
تحت غيمة يوم أحدٍ متشنّج، أتوشّج وإياها طوراً آخر، فنلج عبر قنوات الماء إلى حلمٍ قاني بلون النّبيذ.
صخب المدينة، يمتزج و عبق الماريخوانا، وشقراوات يعاكسن الريح من على صهوة درّاجات هوائية، فيبدون كحوريات في طريقهن إلى الجنّة.
متشرد برأس تتدلى منه خيوط شعر مزيفة، قرب حانوت بطاطا مقلية، يحمل بيمناه بيرة زهيدة، يُطعم حمائم رمادية بكسرة خبز منسيّة، ويردّد أغنية one love لمغني جامايكي قديم.
أزهار التوليب البنفسجية، تلوّح برأسها لرجلين يتبادلان قبلة طويلة، وأخرى صفراء تنحني تواضعاً كسنابل أبو الطيب المتنبي.
ترررررن
ترررررن
تررررن.
تهلّل كاتدرائية العذراء، تعلن بدقّات ناقوسها اليتيم وجود الله، تلتهم كائنات تتسرول السواد، طلبا للغفران، وغير قصيّ منها، قدّيسون، يحفّون برحمتهم نوافذ الغانيات بحي الريد لايت.
ها أنا
 أمخر عباب الطريق، أنشد الحانة القديمة لأضاجع كأس الرّاح
ها أمستردام
 التي إستطاعت بسحر عبثها، وتضاربها، أن تأخذني من كازابلانكا عشقي الأول.

14 février, 2016

إبنة الله

عُريّك ليلتها يا إبنة عيسى، كان أنيقاً، جسدك الأفقع الذي يشبه جبنةً بيضاءَ خالصة، كان يلتهم سُمرتي ودُهمة الغرفة كلما تمازجنا ليلتذاك، عيناك كانتا تحوزان سحابة حزن لا تمطر، تصرّين كلما نظرتُ إليك مواراتها، لكن رماديتها القاتمة، كانت تشي بك، الفراشة التي إتخذتِها على نهدك وشماً أصابت غيرتي، ونكاية بها، تجاهلت حلمتيك الشبيهتان بحبتي كرز، ولسسْت موطئها، لكنها أبت أن تفر، ساقيك كانتا كزهرتا توليب على وشك التفتّق، وعانتك النّقية التي لا زغب فيها كانت تنادي هيت لك، قبلاتك الطوفانية، كانت تزيدني عمرا غير العمر، وتستفز نصف الشرنقة التي  كانت على جسدي، وقبل أن نموت فينا، كان كلانا يمنطق الخطيئة، ويتوسّل فجراً وموتاً مؤجلين، تشابكنا حتى شكلنا لوحة سريالية لرسام عصامي، ثم كانت الصيحة الأولى التي تشبه صيحة جنين غادر للتّو رحم أمه، وكنت يا إبنة الله كلما فرغنا، سألتني هل إمتلأتْ، وأقول هل من مزيد، وأزلفت ليلتذاك فاكهة اللذة، والنبيذ غير بعيد، نضاجعهما لهنيهة، ثم نرجع إلى بوابة الفردوس، لنصلب الرّب، والمسيح من جديد.

10 janvier, 2016

اللقاء الثالث

جُلّ لقاءاتنا كانت حثيثة، كنّا نمسك بمساءاتها، كمن يُمسك قطعة جمر متأجّجة، ويومذاك، عند اللقاء الأخير، لم نبلغ كما سبق من الأيام، ليلةً أو بعض ليلة.
كنّا كالعابرون أنتِ وأنا، وثالثنا بِلالُنا المؤذِّن للهوى، الذي كان يتضرّع لنا عند كل رشفة نبيذ، ويُنادينا أن نمنح الله قُبلة.
كالكِرام مَرَرْنا ليلتذاك، لم نترك في أمكنتنا ذكرى توجعنا، لم ندع مجالاً للطّاولة إيّاها في حانة تِيطان أن ترسم ملامحنا، ولا لنادل ألزاس لورين وعاهراته الثلاث أن يُدركوا بشاعتنا، لم ننشأ للمُقام إلهاً، كنّا فقط عابريْن، كنّا كمنتحريْن يتبادلان قُبلات مُهرولة، قبل النّط فوق السرير الخشبي الذي وشى بنا أزيزه.
وقبل أن يَتَنَبَّه الموتى، كنّا قد قضمنا التّفاحة مرّتين، والتفَّت السّاق بالسّاق، واقتسمنا الأمل والألم معاً، ثمّ مررنا سريعاً، موقِّعين مرّة أُخرى ِبقلم العبور، عريضة الغياب.

01 décembre, 2015

ليلة السقوط

كلما فٓرٓغٓتْ كأسي ذاك المساء، ومعها رأسي، بادرتْ لملإهما، كما تملأ غجرية جِرار الماء من نهرٍ زُلال، فيترقرق مشروب الفودكا من بين كفِّها، كشلّال  يُعبِّأ الكأس الخاوية وجمجمتي، فتمنحهما لحناً كما الشجن، وُتلبسهما عمامةً من زٓبٓد.
كانت سقايتها حينذاك، تُزهر القلب، تُٓموْسِقُ العقل، ٍوتحيي ذاك الجزء المتصلّب من الرّوح الذي يقبع داخل الجسد المتأسِّن الذي كانت تتوسده، وبين الفينة والأخرى، تقفز من متكئها بجانبي، لتهز جسدها.
كانت تلتوي حيناً كأفعى جائعة تترصد فريستها، وبخفة فراشة، تغازل مصابيح المرقص المتلألأة حينا آخر، وترسم بخصرها دوائر لامتناهية على إيقاع موسيقي صاخبة، حدث كل هذا دون أن تفارق سبابتها ووسطاها سيجارتها الشقراء، التي كانت تعتقلها بينهما، وتمتصها بنهم من وقت لآخر، حينها كنت أنا متّخذاً من طاولتنا مستقّر، أتأمّلها منها، فتبدو لي كرغبة متحركة، أو كثيمة إيروسية، أحفر في تفاصيلها الهائجة، وأمخر عبابها لأول مرة.
كانت فعلا تشبه غجرية بشعاع وردي يكاد يغادر وجنتيها، في عينيها سبيل طويل لاحدود له، نهداها كانا نافرين، بحبتي كرز تعلوهما، وفجّ عميق بينهما أدفئ من وطن.
أسكر، وأرقب إلتواءاتها المسترسلة، تطلبني لمشاركتها الرقص، فأنتصب مترنحا، أشطح حتى أبدو كديك ذبيح، أو كمن يدكّ جلدا في دار دباغة.
حينها صار كل ما يدور في فلكها خمرا، صوتها الذي يشبه السيمفونية الرابعة عشرة لموزارت، خطواتها، دقّات كعبها على الأرض، إسمي التي كانت تنطق به، وصارت كل كلمة تتفوه بها سقطة في قعرها.
توالت السقطات، حتى إنكسرت كل الأنخاب داخل رأسينا، والتفّت اللِّسان بالِّلسان، وإحترقنا قبلاً، ثم واصلنا الرقص، كما واصلنا السُكر، والحلم بالسرير.

05 novembre, 2015

الدرس الأول

 عندما إستعبرتا عيناك الجميلتان أول مرّة في حضرتي، لم أكُ أعلم أنك تبكين خسارتي في مجامعتك، بكيتِ إخفاقي، ورعشتك التي لم تبلُغيها رفقتي، صِحتِ في وجهي أن يليق بي أن أمدكِ ببضع قروش كأي عاهرة أصادفها على أرصفة المجهول، وأضفتِ، أن لافرق بيني وبين أبناء الزواني، أولئك الأكلة الذين يتداعون على قصعتك كل ليلة. كان ردي حينها بملامح المتوسل، أن اللّهم إنّي عاشق، أذكر أني ردّدتها ثلاث أو مايزيد، غير أنّي ذاك الأمّي الذي يتأتأ ألف باء الجنس، وأنتِ، خريجة حانتيْ أورالي والكوبا كابانا، الحاصلة على مرتبة الشرف بشهادة كل زبناءك الذين ضاجعوك، وزدتُ، أننا ننتمي لزمنين مختلفين، فأنت سيِّدة الأمس التي إخترقت صخرة الخطيئة منذ وجودها، وأنا الساذج، القاضم للتّو نصف التفاحة، وأنّ مركبي في يمِّك فلا تدعيه يغرق. حينها جذبتِني إليكِ بقوّة حصانين عربيين إلى حلبة الشهوة، حتى باتت المسافة التي تفصل بيني وبينك، تقديرها لاشيء، ثم منحتِني جسداً وروحاً، وماهي إلّا بضع دقائق، حتى غرقت الغرفة في تأوهاتنا كما غرِقت في براثنك، ثم فاح عرقنا، كان شيئا يشبه الصّعود إلى السّماء عبر جسر نهديك، لم يكن الطريق طويلا، وعند الإنتهاء، أنارت إبتسامتك الغرفة الدّاكنة، فيقنت أنّك راضية مرضية، يومذاك لُقنت أول درس في الجماع

17 août, 2015

طوكيو موكارامي

على كرسي خشبي عرَّاه الزمن بزاوية مظلمة في الحانة القديمة، أضع مؤخرتي المتكردسة، وبجانبها سِفر مابعد الظلام، لهاروكي موكارامي، أسعى جاهداً التآخى وغربتي والليل، وكأس النبيذ في فضاء يعبق برائحة البارح، بجدران تعود إلى زمن سالف تإن وتسعل بيانسيم الدجى اللطيف لفيروز، وطاولة عرجاء، كأنها إحتضنت العشاء الأخير للتلاميذ رفقة مسيحهم قبل صلبه.
عاهرة بنصف فاه أشبه بمومياء قديمة تُدَوَّر حزنها بداخلها، ثم تنفثه رفقة دخان سيجارة زهيدة، تتخذ من مكان غير بعيد متكأ لها، تبتسم في وجهي وتصر إبنة الزانية، أن تنزعني مني، ترفع كأسها الفائض صوبي، فأرفع رأسي لها دون كأسي، مانحاً إياها شيئا أشبه بإبتسامة متشنجة، لأعود بعدها إلى خلوتي وإستنطاق المكان عن كائناته السائرة على أرضه الخرساء، تلك الذائبة تحت حرارة ضنكه، عن العاهرة النصف ميتة وراء قطعة خشب باردة تفصلها وزباءنها، عن الصبية ذات الرداء البنفسجي المفخخة بأحلام قديمة تهرول خلف الأموات وتستجديهم إقتناء وردة ، عن نافذة مشرعة، يظهر من خلالها بناء شاهق يقابل الحانة خط عليه ببنط عريض، لنتخيل الأنهار تحترق في البعيد، نسمع الصمت، وفجأة، تأتي الموسيقى نحونا كي تقتلنا، ليعود الرقص أقوى تحت الشمس البيضاء.
أستنطق المكان عن الموت الذي يرتدي آخر قمصانه، وعن،وعن، وعن وعن، وتحت الهطول المدرار للعنعنات، يدك نادل بائس خلوتي مرة أخرى  بالسؤال عن طلبي، فأجيبه ماأشبه طوكيو موكارامي بهذا المكان، ثم غادرت الحانة تحت همهماته التي عجزت عن فك طلاسيمها.

20 juillet, 2015

في إنتظار القيامة

قصيّاً عن الفزّاعات، وعن فوضى السّماء، وكلّما أتعبهما الوله، آويا إلى غرفته الضيقة ذات السقف القصديري، تلك التي لاتكبر سوى ببضع سنتمترات عن قوقعة سلحفاة. 
بداخلها يتكردسان كسجيني عشق فرّا من الرّب، وملائكته التي تعسّ الوديعة، يتجردان من ثوب الفضيلة، وورقة التوت التي تحجب سوءاتهما، ليشرعا في مزاولة لعبة البدء،  تلك التي لاتحتاج سوى لزاد وفير من قصائد تعرج نحو قبّة الليل، وبعض القبل التي تشجّ سكونه، يتبادلانها على سرير يشتد أزيزه كلّما تموّجا فوقه، وبين كل رعشة وأخرى، فتحا كوّة زفير، ليريحا رئتيهما، في إنتظار القيامة.

19 juillet, 2015

رحيل

من هنا مر غريب، عند ساعة الفجر الأخيرة، بخطى مترنّحة، وخِلقة تحمل ندبة غائرة، لاأحد شاهده يغادر متسللاً تحت لحف العتمة، سوى كاتب هذه السطور الذي تضرّع إليه لوهلة أن يتمهّل، فَأعرض، ومضى يحمل بيدٍ كيساً من خيش يحوي بضع نبوءات مرتّقة، ومخطافاً شديد العقف بأخرى، لم يَكُ يسير خلفه، سوى بعض الصّادقين بلحى طويلة إعتلاها الشيب، وصبي كفيف تعثره المتاريس، غادروا جميعهم تاركين خلفهم موتاً ينفث دخانه في وجوه المنكسرين، وصوراً صامتة بلونين.

15 juin, 2015

رَبِّ الجُحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه

ماخور السيدة ديبورا
صار معبداً
والعاهرات اللائي راقصنني ذات مساء قديم
إرتدين لباس الراهبات
آوين إلى المحراب
حنطن بالرماد نهودهن
وصارت ملامحهن باهتة
بوجوه ترهقها قَتَرَة
يدعونني للصلاة
فأركض إلى الوراء
آوي إلى جحر الشيطان
لأقضم التفّاحة
لأعيد حياكة شهواتي
وجغرافيا الخطيئة

31 mai, 2015

أنا تلك المرأة

1
أنا تِلك المرأة
الفارَّة للتَّو من قصيدة مبعثرة
عبر سورِ شوقٍ متصدِّع
ممتطيةً صهوة سُهد شاعر بوهيمي
أتعب نهدي مجازا
وخطَّ على شفتاي
موته الـمُكرَّر
2
أنا تِلك المرأة
التي يَتسلَّل إليها الشاعر ليلاً
يخلع روحه على عتبة نَهْديْها
ِليُرِّتب الحزن على قافيتها
ويرمِّم صمت ذاكرتها المثقوبة

30 mai, 2015

وطن عار

وطني المخصي
تَرَكْتُه في الحانة البارحة
عند القديسة تيريزا
حافٍ
عارٍ
مَصْلوب بجانب وعاء نبيذ رخيص
ومِنفضة سجائر
تحت رداء النُبُوَّة
تَزَمَّل وعاهرة
إستمنيا
خَرَءا
رَقصا على نباح الجِراء
ونداء الفجر
وبما تبقى منهما
راوغا المرايا
ماكَرا الله
وتسللا إلى رحِم المعبد

18 mai, 2015

حورية إيغوشي الطينية

حتى وهي مستلقية كإناء طيني خائرة القوى على المغسل الخشبي إستعدادا للسجي ، كان جسدها الذي غادرته مهجته دون طوع، يصر أن يغريني ببياضه، ربما هي الإغراءة الأخيرة، التي تجلت رغبتي حينها في الإستجابة إليها قبل مواراتها.
ففكرة مضاجعة ذاك الشيء المتحجر، الذي يشبه غشاء لوزة أجوف، تنتابني بشدة، ولعبة النقش على جسد خاوٍ، إلا من طلاء زهري، مازال عالقا بأظافرها، تثير حواسي، وتدفعني إلى مستنقع السادية.
أجثو راكعا صوبها لأقدِّم لنفسي، وأنا أُفرغ أنفاسي حول جيد حورية طين باردة، مفرطة في اللذة، وأرجو رعشة صامتة، باغتتني بهمس، أن أكف عن خبلي الأخرق، هذا الذي يمارسه الأحياء.

09 mai, 2015

شوق

كدرويش
بُعث من مستنقع المعنى
أترنح بقدمين حافيتين
ورداء يعلوه غبار الموت
أتضور شوقا
للدالية القديمة
للعشق الآتي من تعب المسافات
لحدائق النبيذ التي تسقيها إمرأة
لاتشبه النساء
للأرواح المبعثرة
لكل شيء
و للاشيء
كدونكيخوت
أشهر أمنياتي
في وجه السراب
أعاكس ريح الفقد
وأبحث في عيون المارة
وباعة الأحلام الرخيصة
عن قصيدة 
وعمر جديد

لاتسألي

ليس ذنبي أن أتساقط منكِ كورقة خريف هشّة
ليس ذنبي أن أهوى كغصنٍ يابسٍ مرّ به زفير طائر عليل
فأمِّي الشَّجرة ماكانت في الأرضِ لعروشها ضاربة
وأناملك التي زرعتني في عتمة اللّيل على ضفة وادي العبث
أثمرت هذا الرجل الواهن
ماأنا ياسيدتي سوى منتهى مداهنتك
عبثك
لامبالاتك
وخطاياك
فلا تبحثي عن عطر في زهرة تاهت بين الذبول 
ولا تستفسري التراب
ياامرأة التراب
فحرياً بك
ياسيدتي
أن لاتسألي عن أشياء
إن تبدى لك
تسُؤك

جرح على عتبة الجحيم

أيا أيّها التّافهون
إحفروا لحدي هناك
عند بقعة الأمل الأخيرة
وزخرفوا على شاهده حروف إسمي القَلِقَة
هُبُّوا 
فكل شيء أضحى مجهزاً للرَّحيل
جرحي المصلوب على عتبة الجحيم
حلمي الذي لم يُدرك 
المساء الأخير المحشو بقبلات الموت
وأنا الفارّ من قصيدة شاعر رديء
أعياها المجاز

أوطان برائحة الموت

الدماء الجارية كنهر
ماعادت تقض مضجع الآلهة
والنيران التي تلتهم الأحلام
أضحت نبراس سماءها المعتمة
الصلاة
أحجمت الصعود إلى السماء والأدعية
وصارت المعابد قفارا
لاتغريد فوقها لطائر الحسّون  
لارياحين في السبيل إليها 
ولابذرة حُبٍّ تُلقى في تربة الأرواح
لم تبقى غير تنهيدات أخيرة
لرجال يلعقون الجراح
وينسجون الأكفان
وجثت تَُوَقِّع تصاريح دفنها على أوراق الخريف
لم تبقى سوى عبرات باردة
وآهات
كأغنيات مصلوبة
وبضع شعراء
ماعاد لهم من غاوون 
وأولاد قحبة
يشيدون أوطانا خريفية
برائحة الموت

01 novembre, 2014

غربة

غريب أنا في هذه المدينة
كصبي ضرير
أجري بقدمين حافيتين
أُتأتِأ الشعاب
وُجوه المارة
وآلاف الشرفات...
تمثال القديس سانت نيكولاس
لايعرفني
لاتعرفني الدالية
لايعرفني جرس الكنيسة
ولا فزاعة الحقول
كمحض شخص أنا إنسل من بيت قصيدة عشق قديمة
لشاعر رديء
فما إستطاعت أن تحتويني ذاكرة العشاق
كهافٍ يظمأ للراح 
ماإستطاعت أن تسقيني أقداح كل الحانات
وماإستطاعت أن تأويني مواخير المدينة 
الأرصفة
تلكز مؤخرتي
تلفظني الطرقات
البالوعات
وأعمدة النور الخافتة
كما جرو متشرد
أتمسح بقدم عاهرة
فتجثم على وجعي
وتركلني
نحو أقرب طريق إلى الجحيم